أبي حيان الأندلسي

607

البحر المحيط في التفسير

يصبح ، وورد أنها تعدل ثلث القرآن ، وورد أنها ما قرئت في دار إلّا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوما ، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين يوما ، وورد أن من قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه اللّه على نفسه وجاره وجار جاره ، والأبيات حوله ، وورد : أن سيد الكلام القرآن ، وسيد القرآن البقرة ، وسيد البقرة آية الكرسي ، وفضلت هذا التفضيل لما اشتملت عليه من توحيد اللّه وتعظيمه ، وذكر صفاته العلى ، ولا مذكور أعظم من اللّه ، فذكره أفضل من كل ذكر . قال الزمخشري : وبهذا يعلم : أن أشرف العلوم وأعلاها منزلة عند اللّه علم العدل والتوحيد ، ولا ينفرنك عنه كثرة أعدائه ف : إن العرانين تلقاها محسدة انتهى كلامه . وأهل العدل والتوحيد الذين أشار إليهم هم المعتزلة ، سموا أنفسهم بذلك قال بعض شعرائهم من أبيات : إن أنصر التوحيد والعدل في * كل مقام باذلا جهدي وهذا الزمخشري لغلوه في محبة مذهبه يكاد أن يدخله في كل ما يتكلم به ، وإن لم يكن مكانه . ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر أنه فضل بعض الأنبياء على بعض ، وأن منهم من كلمه ، وفسر بموسى عليه السلام ، وأنه رفع بعضهم درجات ، وفسر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ونص على عيسى عليه السلام ، وتفضيل المتبوع يفهم منه تفضيل التابع ، وكانت اليهود والنصارى قد أحدثوا بعد نبيهم بدعا في أديانهم وعقائدهم ، ونسبوا اللّه تعالى إلى ما لا يجوز عليه ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث إلى الناس كافة ، فكان منهم العرب ، وكانوا قد اتخذوا من دون اللّه آلهة وأشركوا ، فصار جميع الناس المبعوث إليهم صلى اللّه عليه وسلم على غير استقامة في شرائعهم وعقائدهم ، وذكر تعالى أن الكافرين هم الظالمون ، وهم الواضعون الشيء غير مواضعه ، أتى بهذه الآية العظيمة الدالة على إفراد اللّه بالوحدانية ، والمتضمنة صفاته العلى من : الحياة ، والاستبداد بالملك ، واستحالة كونه محلا للحوادث ، وملكه لما في السماوات والأرض ، وامتناع الشفاعة عنده إلّا باذنه ، وسعة علمه ، وعدم إحاطة أحد بشيء من علمه إلّا بإرادته ، وباهر ما خلق من الكرسي العظيم الاتساع ، ووصفه بالمبالغة العلو والعظمة ، إلى سائر ما تضمنته من أسمائه الحسنى وصفاته العلى ، نبههم بها على العقيدة الصحيحة التي هي محض التوحيد ، وعلى طرح ما سواها .